قد يكون هناك بعض المبالغة في هذا الوصف ولكن على أقل تقدير فإن عبارة "التدريس أم المهن" يمكن أن يكون تعبيراً يسلط الضوء على الدور التأسيسي والمؤثر الذي يلعبه التدريس في المجتمع. وهو بيان مجازي يؤكد على أهمية وتأثير التدريس في تطوير ونجاح المهن الأخرى. والفكرة الأساسية وراء هذا التعبير هي أن التدريس غالبًا ما يُنظر إليه على أنه المهنة التي يتم من خلالها نقل المعرفة والمهارات والقيم للأفراد، وتضع الأساس لمساعيهم المستقبلية في مختلف المجالات. يعمل المعلمون كمرشدين وموجهين، حيث يقومون برعاية مواهب وإمكانات الطلاب، الذين قد يواصلون لاحقًا ممارسة وظائف في مهن مختلفة. ولا تعني العبارة أن التدريس متصدر أو متفوق على المهن الأخرى، بل أنها تعترف بالدور التأسيسي للتدريس في تشكيل الأفراد وإعدادهم للمسارات التي يختارونها. ويوضح أهمية التدريس كمهنة تساهم في نمو وتقدم المجتمع ككل. غالبًا ما يشار إلى التدريس على أنه "مهنة المعلمين الأبدية" لأنها مهنة موجودة منذ آلاف السنين ومن المرجح أن تظل مهنة حيوية في المستقبل. وخلال التاريخ الطويل والقديم للتعليم كان التدريس هو الأساس في نقل المعرفة والتراث من جيل إلى جيل، وكان الاتصال المباشر بين المعلّم وطلابه وجهاُ لوجه الطريقة الوحيدة لتوضيح المفاهيم والمعلومات وتطوير المهارات، وترسيخ القيم والأخلاقيات، من خلال المحاضرات والنقاشات والقصص والتجارب العملية، وباستخدام وسائل وأدوات تعليمية تقليدية كالكتاب والسبورة والشرائح التعليمية، وكانت تستخدم المراجع والمصادر المحدودة لتعزيز التعلّم وتوفير المعلومات. ونتيجة لتوسع العلوم ومنها علم التربية، والتقدم الذي طرأ على تقنيات التعليم ظهرت ثورة في عالم التدريس، فأضحى التدريس الحديث لا يقف فقط عند نقل المعرفة وإكساب المهارة بل أعطى الأولوية لعمليات التفكير، وتنمية المهارات الحياتية، وحلّ المشكلات، وتحوّلت البوصلة التعليمية والمدرسية من التركيز على المعلّم والمنهج إلى التركيز على الطالب، والاهتمام بالتعلّم النشط، وتحقيق التعلم الذاتي للطلاب والتعلم مدى الحياة. وأدّى الاهتمام بالأدوات التعليمية والموارد الرقمية وعروض الوسائط المتعددة ومنصات التعلم التفاعلية إلى توسيع إمكانيات تجارب التعلم الجذابة والفاعلة للطلاب. وما زال التطور مستمراً فنرى الان تطبيقات الواقع الافتراضي والواقع المعزز والذكاء الاصطناعي ودمجها في طرق واستراتيجيات التدريس، مما يعزز مشاركة الطلاب وفهمهم.